الشيخ محمد رشيد رضا

304

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحرير ، وقد ظن بعض الصحابة ( رض ) أن انكار النبي ( ص ) لبعض الأمور الدنيوية المبنية على التجارب للتشريع كتلقيح النخل فامتنعوا عنه فاشاص ( خرج ثمره شيصا أي رديئا أو يابسا ) فراجعوه في ذلك فأخبرهم أنه قال ما قال عن ظن ورأي لاعن تشريع وقال لهم « أنتم أعلم بأمر دنياكم » والحديث معروف في صحيح مسلم وحكمته تنبيه الناس إلى أن مثل هذه الأمور الدنيوية والمعاشية كالزراعة والصناعة لا يتعلق بها لذاتها تشريع خاص بل هي متروكة إلى معارف الناس وتجاربهم وكانوا يراجعونه أيضا فيما يشتبه عليهم أهو من رأيه ( ص ) واجتهاده الدنيوي أو بأمر من اللّه تعالى وان لم يكن تشريعا كسؤاله عن الموضع الذي اختاره للنزول فيه يوم بدر ، قال له الحباب بن المنذر ( رض ) : أهذا منزل انزلكه اللّه ليس لنا متقدم عنه ولا متأخر ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فلما أجابه بأنه رأي لا وحي وان المعول فيه على المصلحة ومكايد الحرب أشار بغيره فوافقه ( ص ) وإذا اشتبه على بعض الصحابة بعض هذه المسائل فغيرهم أولى بأن يعرض لهم الاشتباه في كثير منها ، وكان النبي ( ص ) يبين لأولئك الحق فيما اشتبهوا فيه ، ومن ذا يبين ذلك من بعده ؟ ولو لم يتخذ الناس اجتهاد العلماء من بعده دينا يوجبون اتباعه لهان الامر ، ولكن اتخاذه دينا قد كثرت به التكاليف ، ووقع المسلمون به في حرج عظيم في الأزمنة التي ضعف فيها الاتباع ، فثقلت على الطباع ، فصاروا يتركون ما ثقل عليهم منها ، وجرأهم ذلك على ترك المشروع القطعي الذي لا حرج ولا عسر فيه ، ثم جرهم ذلك إلى ترك بعضهم للدين كله ودعوة غيرهم إلى ذلك ، والجامدون من مقلدة الفقه المتشددين في إلزام الأمة التدين باجتهاد الفقهاء لا يشعرون بهذه العاقبة السوءى ولا يبالون إذا أشعرهم المصلحون مثال ما شدد به بعضهم من ذلك صبغ الشيب بالسواد هو من الأمور العادية المتعلقة بالزينة المباحة إذ لا تعبد فيه ولا حقوق للّه ولا للناس ، إلا ما قد يعرض فيه وفي مثله كالزي من كون فعله أو تركه صار خاصا بالكفار وفعله بعض المسلمين تشبها بهم أو صار بفعله له مشابها لهم بحيث يعد منهم ، وفي ذلك ضرر معنوي وسياسي معروف عند الباحثين في سنن الاجتماع من كون المتشبه بقوم تقوى عظمتهم في نفسه من حيث تضعف فيها رابطته بقومه وأهل ملته ، وقد ورد في صبغ الشيب أخبار وآثار يدل بعضها على استحبابه عادة لا عبادة ولو بالسواد ، وفهم بعض